عبد الرحمن بدوي
150
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
طول الأيام محاورتك . فتمم « 1 » أيها الفيلسوف ما بدأت به من إلزامك نفسك ما تكثر به شكر من يأتي بعدك . قال أبو العباس : ارتفع يا ثابت وتشمر ودع ما كنت فيه إلى الآن ، فإن الكلام في هذا الكتاب قد ارتفع عن الطبيعة وتجاوزها ، فلا يلحقه إلّا من كان كذلك . قال ثابت : ما أرجو أن أنال ذلك إلا بك وبمعونتك . قال أبو العباس : إني أريد أن ألبّسه قليلا وأخلطه بما يشاكل وأقرّبه من الطبيعة ليسهل متناولة . فأما إن وافقت الفيلسوف في مذهبه فيه فإنه قلّ من يفهمه . قال ثابت : ما أولاك بكل جميل ، إذ كانت شفقتك شفقة الأب الرحيم على الولد البرّ ! قال أبو العباس : سأرتب هذه الكتب ترتيبا ينفع الطالب تفهمه ويروضه على الرقىّ فيه : إن الكتاب الأول في الطبيعة ، إذ كان التحرز هو من عمل الطبيعيين ؛ والكتاب الثاني في سماء انفصال الطبيعة ، إذ كان اختيار ما يخلص ويدبر ؛ والكتاب الثالث في سماء النفس ، إذ هو تدبير الطبيعة والحيل في قلبها عن ماهيتها ؛ والكتاب الرابع هو سماء العقل [ 10 ب ] إذ هو تدبّر الكل ورد الطبيعة إلى البسيط والبسيط إلى الطبيعة والتدبير المحصل والمشذب ومحتاج فيه أن يرتفع عن النفسانية فضلا عن الطبيعة وحتى يشاكل مدبره الأرباب العلويين المحقين وإن شئت أيضا نسبتها إلى الأركان فجعلت الكتاب الأول لركن الماء إذ هو قعر الطبيعة ؛ والثاني لركن الأرض إذ هو مرتفع عن الماء في الطبيعة ؛ الثالث : ركن الهواء ، إذ هو مرتفع عن الأرض وهو الذي به وبتداخله تستحيل الأركان ؛ والرابع : لركن النار المستعلى على الأركان والمؤثر فيها . وأرتبها ترتيبا تاليا فأجعل الكتاب الأول للطبائع المركبة ، والثاني للطبائع « 2 » المنفصلة ، والثالث للطبائع المفردة ، والرابع للأثير البسيط . وأتمم الترتيبات أربعة على عدد الأركان : فأنسب الكتاب الأول
--> ( 1 ) ص : فتقم . ( 2 ) ص : الطبائع .